فخر الدين الرازي
103
تفسير الرازي
والأولى أن يحمل ذلك على سبيل التهكم كقوله : * ( ذق إنك أنت العزيز الكريم ) * ( الدخان : 49 ) والمعنى كأنه تعالى يقول للمؤمنين : هل جازينا الكفار على عملهم الذي كان من جملته ضحكهم بكم واستهزاؤهم بطريقتكم ، كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة ؟ فيكون هذا القول زائداً في سرورهم ، لأنه يقتضي زيادة في تعظيمهم والاستخفاف بأعدائهم ، والمقصود منها أحوال القيامة . والله أعلم . سورة الانشقاق وهي عشرون وخمس آيات مكية بسم الله الرحمن الرحيم * ( إِذَا السَّمَآءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الاَْرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ ) * . أما انشقاق السماء فقد مر شرحه في مواضع من القرآن ، وعن علي عليه السلام أنها تنشق من المجرة ، أما قوله : * ( وأذنت لربها ) * ومعنى أذن له استمع ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : " ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن " وأنشد أبو عبيدة والمبرد والزجاج قول قعنب : صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به * وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا والمعنى أنه لم يوجد في جرم السماء ما يمنع من تأثير قدرة الله تعالى في شقها وتفريق أجزائها ، فكانت في قبول ذلك التأثير كالعبد الطائع الذي إذا ورد عليه الأمر من جهة المالك أنصت له وأذعن ، ولم يمتنع فقوله : * ( قالتا أتينا طائعين ) * ( فصلت : 11 ) يدل على نفاذ القدرة في الإيجاد والإبداع من غير ممانعة أصلاً ، وقوله ههنا : * ( وأذنت لربها ) * يدل على نفوذ القدرة في التفريق والإعدام والإفناء من غير ممانعة أصلاً ، وأما قوله : * ( وحقت ) * فهو من قولك هو محقوق بكذا ، وحقيق به . يعني وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تمتنع وذلك لأنه جسم ، وكل جسم فهو ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فإن الوجود والعدم بالنسبة إليه على السوية ، وكل ما كان كذلك ، كان ترجيح وجوده على عدمه أو ترجيح عدمه على وجوده ، لا بد وأن يكون بتأثير واجب الوجود وترجيحه فيكون تأثير